ابن كثير

12

البداية والنهاية

ثم جرت بينهما حروب طويلة وفتن مهولة جدا قد ذكرها ابن جرير مطولة ، ثم بعث المعتز مع موسى بن ارشناس ثلاثة آلاف مددا لأخيه أبي أحمد فوصلوا لليلة بقيت من ربيع الأول فوقفوا في الجانب الغربي عند باب قطر بل ، وأبو أحمد وأصحابه على باب الشماسية ، والحرب مستعرة والقتال كثير جدا ، والقتل واقع . قال ابن جرير . وذكر أن المعتز كتب إلى أخيه أبي أحمد يلومه على التقصير في قتال أهل بغداد فكتب إليه أبو أحمد : لأمر المنايا علينا طريق * وللدهر فينا اتساع وضيق وأيامنا عبر للأنام * فمنها البكور ومنها الطروق ومنها هنات تشيب الوليد * ويخذل فيها الصديق الصديق ( 1 ) وسور عريض له ( 2 ) ذروة * تفوت العيون وبحر عميق قتال مبيد وسيف عتيد * وخوف شديد وحصن وثيق وطول صياح لداعي الصباح ال‍ * سلاح السلاح فما يستفيق فهذا طريح ( 3 ) وهذا جريح * وهذا حريق وهذا غريق وهذا قتيل وهذا تليل * وآخر يشدخه المنجنيق هناك اغتصاب وثم انتهاب * ودور خراب وكانت تروق إذا ما سمونا إلى مسلك * وجدناه قد سد عنا الطريق فبالله نبلغ ما نرتجيه * وبالله ندفع ما لا نطيق قال ابن جرير : هذا الشعر ينشد لعلي بن أمية في فتنة المخلوع والمأمون ، وقد استمرت الفتنة والقتال ببغداد بين أبي أحمد أخي المعتز وبين محمد بن عبد الله بن طاهر نائب المستعين ، والبلد محصور وأهله في ضيق شديد جدا ، بقية شهور هذه السنة ، وقتل من الفريقين خلق كثير في وقعات متعددات ، وأيام نحسات ، فتارة يظهر أصحاب أبي أحمد ويأخذون بعض الأبواب فتحمل عليهم الطاهرية فيزيحونهم عنها ، ويقتلون منهم خلقا ثم يتراجعون إلى مواقفهم ويصابرونهم مصابرة عظيمة . لكن أهل بغداد كلما هم إلى ضعف بسبب قلة الميرة والجلب إلى داخل البلد ، ثم شاع بين العامة أن محمد بن عبد الله بن طاهر يريد أن يخلع المستعين ويبايع للمعتز ، وذلك في أواخر السنة ، فتنصل من ذلك واعتذر إلى الخليفة وإلى العامة . وحلف بالايمان الغليظة فلم تبرأ ساحته من ذلك حق البراءة عند العامة ، واجتمعت العامة والغوغاء إلى دار ابن طاهر والخليفة نازل بها ، فسألوا أن يبرز لهم الخليفة ليروه ويسألوه عن ابن طاهر أهو راض عنه أم لا . وما زالت الضجة والأصوات مرتفعة حتى برز لهم الخليفة من فوق المكان الذي هم فيه وعليه السواد ومن فوقه البردة النبوية وبيده القضيب

--> ( 1 ) في ابن الأثير 7 / 152 : الصدوق . والقافية فيه وفي الطبري " بالرفع " . ( 2 ) في ابن الأثير . وفتنة دين لها . . ( 3 ) في الطبري : قتيل